السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

247

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

لأن رزءه كان قاعدة الارزاء عنده ، وقد أخذ بمجامع قلبه فصار لا يزول عن فكره ولا ينساه ، وقيل في هذا : ولم تنسني أوفى المصيبات بعده * ولكن نكء القرح بالقرح أوجع مطلب جواز البكاء والحزن والأسف بما دون الضجر وتحريم شق الجيب وتحجيم الوجه واللطم وقص الشعر : ولا يقال إن هذه شكاية منه عليه السلام ولا يليق بمنصب النبوة صدورها ، لأنه عليه السلام إنما شكا أمره إلى اللّه لا إلى غيره ، ولم يشتك من اللّه لأحد لأن باء النداء مختصة بالأسماء ، فكأنه قال يا رب ارحم أسفي على يوسف ، فكان غير ملوم ، وشكواه إليه تعالى ، ولا مأثم إذا لم ينطق اللسان بكلام مؤثم « وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ » على أولاده للثلاثة « فَهُوَ كَظِيمٌ 84 » الحزن ممتلئ القلب به لأنه لا يبثّه إلى أحد إلا إلى ربه ، وقد غشى عينيه بياض من كثرة الدمع لا أنه عمي وفقد النظر فيها ، لذلك فلا صحة لقول من قال إنه عمي ، لأن العمى عيب والأنبياء مبرءون من جميع العيوب الحسية والمعنوية ، وتؤذن هذه الآية بجواز التأسف والبكاء عند المصيبة ، لأن الكف عن أمثال ذلك عند حدوث النوائب لا يدخل تحت التكليف ، ويخرج عن الوسع والطاقة ، فقد قل من يملك نفسه عند الشدائد ، روى الشيخاني في حديث أنس رضي اللّه عنه أنه صلّى اللّه عليه وسلم بكى على ولده إبراهيم وقال إن العين تدمع والقلب يخشع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون . وهذا فإن البكاء والحزن والتأسف بما دون الضجر غير منهي عنه شرعا ، وإنما المنهي عنه ما يفعله بعض الجهلة من النياحة ، ولطم الخدود ، وضرب الصدور ، وشق الجيوب ، والتحمم ، وتمزيق الثياب ، وقص الشعر ، ونثر التراب ، وتخميش الوجه ، ورويا أيضا من حديث أسامة أنه صلّى اللّه عليه وسلم رفع إليه صبيّ لبعض بناته يجرد بنفسه ، فأقعده في حجره ونفسه تتقعقع كأنها في شنّ ، ففاضت عيناه عليه الصلاة والسلام ، فقال سعد يا رسول اللّه ما هذا ؟ فقال هذه رحمة جعلها اللّه تعالى فيمن شاء من عباده ، وانما يرحم اللّه من عباده الرحماء . وفي الكشاف : قال يا رسول اللّه تبكي وقد